المزارعون الفلسطينيون يتجذرون بأرضهم رغم إقتلاع الأشجار وحرمان الوصول اليها
فلسطين - بين أشجار الزيتون التي زرعها قبل سنوات، يقضي محمود جبارين، البالغ من العمر 53 عامًا، معظم أيامه في أراضي قرية المنية جنوب بيت لحم في الضفة الغربية. محمود أب لخمسة أطفال، ومزارع يعتمد على أرضه كمصدر رزق له ولعائلته، لكنها بالنسبة له ليست مجرد مصدر دخل، بل جزء من حياته وذكرياته وتعب عمره.
يبدأ محمود يومه في أرضه، يعتني بأشجار الزيتون والعنب، يسقيها ويقلمها ويتابع نموها موسمًا بعد موسم. بالنسبة له، الزراعة ليست مجرد عمل، بل علاقة طويلة مع الأرض، علاقة تعب وصبر وانتظار. لكنه يقول إن حياة المزارع الفلسطيني ليست كما يعتقد الكثيرون، فالمشكلة ليست فقط في تعب الزراعة، بل في الوصول إلى الأرض أصلًا.
محمود يعاني من عنف المستوطنين مثل غيره من الفلسطينين في مناطق متعددة في الضفة الغربية. يقول محمود "نحن في المنية مثل كثير من القرى الفلسطينية نعاني بشكل يومي من اعتداءات المستوطنين والجيش، سواء أثناء وجودنا في الأرض أو من خلال منعنا من الوصول إليها، أو عرقلة جني المحاصيل أو عدم القدرة على استصلاح الأرض ورعايتها."
ينتظر المزارع الفلسطيني موسم الزيتون كفرحة سنوية، لكنه كثيرًا ما يتحول إلى موسم من الحرمان والألم. تتحول الأرض التي كانت تجمع العائلة إلى مساحة بعيدة المنال بفعل القيود والاعتداءات. يعيش المزارع قسوة أن يرى أرضه أمام عينيه، لكنه يُمنع من الوصول إليها. القيود المفروضة لا تحرم المزارعين من رزقهم فقط، بل تسلبهم ارتباطهم بالأرض والهوية.
يتحول الانتظار من شوق للحصاد إلى قلق من المنع والخسارة. المعاناة لا تكمن فقط في خسارة الموسم، بل في الشعور بالعجز أمام أرضٍ لا يستطيع الوصول إليها. يصف محمود شعوره: " إن أصعب ما يمكن أن يمر به المزارع هو أن يرى أرضه أمامه ولا يستطيع الوصول إليها" .
يتعرض المزارعون الفلسطينيون لإعتداءات متكررة من قبل المستوطنين تستهدف أراضيهم ومصدر رزقهم بشكل مباشر، حيث لا يقتصر الأمر على تخريب الممتلكات، بل يمتد ليطال سنوات طويلة من العمل والتعب. إن تكسير واقتلاع الأشجار، خاصة أشجار الزيتون التي تحتاج سنوات لتنمو وتثمر، لا يُعد مجرد خسارة مادية، بل هو تدمير للحياة والذاكرة المرتبطة بالأرض. يعيش المزارع ألمًا عميقًا حين يرى أشجاره، التي اعتنى بها كما يعتني بأبنائه، تُدمَّر في لحظات من العنف، لتتحول أرضه من مصدر أمان واستقرار إلى ساحة تهديد دائم. فكل شجرة تُدمَّر تمثل قصة صبر وجهد تم محوها بالقوة، في انتهاك لا يمس الاقتصاد فقط، بل يضرب كرامة المزارع وارتباطه العميق بأرضه.
يقول محمود : " في إحدى الليالي، هاجم مستوطنون أرض محمود وقاموا بتكسير وتدمير عشرات الأشجار من الزيتون والعنب، حيث تم تدمير ما يقارب 50 إلى 60 شجرة. بالنسبة له، لم يكن ذلك مجرد تدمير لأشجار، بل تدمير سنوات طويلة من العمل والتعب، لأن شجرة الزيتون تحتاج سنوات حتى تكبر وتثمر، والمزارع يعتني بها كما يعتني بأبنائه".
يتحدث محمود عن شجرة الزيتون وكأنها فرد من العائلة، ويقول: " إنها تمثل الحياة والأمل والوطن، وتمثل الماضي والحاضر والمستقبل. فالمزارع، كما يقول، يروي شجرة الزيتون بعرقه، ويتعب عليها لسنوات طويلة، لذلك عندما تُكسر أو تُقتلع أو تُحرق، يشعر وكأنه فقد شيئًا من حياته".
ولا تتوقف الصعوبات عند الأرض فقط، بل تمتد إلى الحياة اليومية. فالخوف من الطرق غير الآمنة واعتداءات المستوطنين يؤثران على حياة العائلات، وحتى على تعليم الأطفال. فالمنطقة محاطة بالمستوطنات والبؤر الاستيطانية، ما يجعل الحركة والتنقل خطيرين، خاصة للنساء والأطفال.
يقول محمود: " إن أصعب شعور يمكن أن يعيشه المزارع هو أن يتعب في أرضه سنوات طويلة، ثم لا يستطيع الوصول إليها أو حماية أشجاره، ويصف هذا الشعور بأنه "الموت خمسين مرة في اليوم"، عندما يرى أشجار الزيتون التي ربّاها بعرقه ولا يستطيع الوصول إليها".
رغم الألم المتكرر، والخسارات التي تُقاس بسنوات من العمر لا بعدد الأشجار، يواصل محمود التمسك بأرضه كخيار لا بديل عنه. فبالنسبة له، البقاء في الأرض هو شكل من أشكال الصمود والحفاظ على الهوية، وهو رسالة بأن هذه الأرض لا يمكن اقتلاع أصحابها منها مهما اشتد العنف والحرمان. وبين كل موسم وآخر، وبين كل شجرة تُكسر وأخرى تُزرع، تستمر الحكاية، حكاية مزارع يرى في أرضه الحياة كلها، ويؤمن أن جذوره فيها أعمق من كل محاولات الاقتلاع.
ورغم كل هذه الصعوبات، يؤكد محمود أنه سيبقى متمسكًا بأرضه، لأن الأرض بالنسبة له ليست مجرد مصدر رزق، بل هي الحياة والهوية والمستقبل، ويقول: "إحنا من دون هاي الأرض ما بنسوى."
نبذة عن مؤسسة آكشن إيد الدولية
مؤسسة آكشن إيد الدولية هي اتحاد عالمي يعمل مع ما يزيد على 41 مليون شخص يعيشون في أكثر من 72 دولة من الدول الأكثر فقرًا. نسعى لرؤية عالم يتسم بالعدالة والاستدامة، حيث يتمتع كل فرد بالحق في الحياة الكريمة والحرية، وعالم خالٍ من الفقر والاضطهاد. نعمل لتحقيق العدالة الاجتماعية ومساواة النوع الاجتماعي واستئصال الفقر.
باشرت مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عملها في فلسطين في عام 2007 لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني إيمانًا في حقه بالتمتع بالحرية والعدالة وحق تقرير المصير. تنفذ مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عدة برامج من خلال انخراطها مع المجتمع الفلسطيني والمجموعات الشبابية والنساء، حيث تسعى إلى تمكين النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم المدنية والسياسية الفاعلة لفهم حقوقهم والاضطلاع بالنشاط الجماعي للتعامل مع انتهاكات الحقوق الناجمة عن الاحتلال طويل الأمد، إضافة إلى تحسين قدرتهم القيادية وممارسة مواطنتهم في مساءلة السلطات والجهات المسؤولة الأخرى.
لمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال بـ:
رهام جعفري
مسؤولة التواصل والمناصرة في مؤسسة آكشن إيد - فلسطين
البريد الإلكتروني: Riham.Jafari@actionaid.org