أنهار الرجبي: نموذج لزراعة الأرض كوسيلة للصمود والتمكين والعدالة المناخية
الخليل – الأرض الفلسطينية المحتلة – قبل أن تبدأ الشمس في الارتفاع، تبدأ أنهار الرجبي يومها. تستيقظ باكراً وتقطع مسافات طويلة للوصول إلى أرضها في خلة القبة، إحدى المناطق الواقعة في المنطقة الجنوبية من الخليل. طريقها إلى الأرض ليس سهلاً؛ طرق غير معبدة، ومياه شحيحة، وخدمات أساسية بعيدة، وقيود تجعل الوصول إلى الأرض والأسواق والموارد أكثر صعوبة.لكن الطريق إلى الأرض ليس التحدي الوحيد الذي تواجهه أنهار. فمع تغير المناخ، أصبحت الزراعة التي تعتمد عليها في إعالة أسرتها أكثر هشاشة. ارتفاع درجات الحرارة، وموجات الحر، والبرودة الشديدة، والصقيع، وتقلبات الطقس، إلى جانب شح المياه، كلها عوامل تهدد محاصيلها ومصدر دخل أسرتها.
بالنسبة للمزارعات الفلسطينيات في المناطق المغلقة في الخليل، لا تأتي أزمة المناخ منفصلة عن واقعهن اليومي. فالقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأرض، وصعوبة الوصول إلى المياه والأسواق، تجعل التكيف مع تغير المناخ أكثر كلفة وصعوبة. وما قد يكون تحدياً موسمياً لمزارع في مكان آخر، يمكن أن يتحول بالنسبة لامرأة مثل أنهار إلى تهديد مباشر لمصدر رزق أسرتها وأمنها الغذائي.
لم تستسلم أنهار لهذه الظروف.بدلاً من ترك أرضها دون استثمار، قررت استصلاحها وزراعتها. رأت فيها فرصة يمكن أن تتحول إلى مصدر غذاء ودخل لعائلتها، وبدأت رحلة طويلة لتحويل قطعة الأرض إلى مشروع منتج. تلقت أنهار الدعم من مؤسسة آكشن إيد-فلسطين من خلال مشروع "بسالة – تمكين النساء في البلدة القديمة في الخليل"، الممول من وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الأسترالية. وحصلت على منحة لإنشاء بيت بلاستيكي، إلى جانب الأدوات اللازمة التي ساعدتها على البدء بمشروعها الزراعي. اليوم، تزرع أنهار الخيار، والفاصولياء، والباذنجان، والفلفل، والفليفلة، والبندورة، والذرة، إلى جانب أشجار العنب والتين والخوخ والزيتون والليمون والسفرجل.
كل شتلة تزرعها هي أكثر من محصول. إنها جزء من محاولة بناء حياة أكثر استقراراً لأسرتها.لكن زراعة الأرض في هذه المنطقة تعني أيضاً مواجهة تحديات لا تملك أنهار السيطرة عليها. تقول: "يؤثر الكثير على المحاصيل، أحياناً نفقد الكثير من المحاصيل والمزروعات إما بسبب البرودة الشديدة أو الحرارة المرتفعة."ومع ارتفاع درجات الحرارة وموجات الحر، تتعرض المحاصيل للتلف، وتنتشر الآفات والأمراض داخل البيت البلاستيكي. وفي المقابل، يمكن لموجات الصقيع والبرودة الشديدة أن تتسبب في خسارة الشتلات والأشجار. توضح أنهار: "عند ارتفاع درجات الحرارة أو حدوث موجات الحر، فإن المحاصيل تحترق وتنتشر الكثير من الآفات الزراعية في البيت البلاستيكي، كما أن موجات الصقيع تعرض المزروعات للتلف."
لا تنتهي خسارة المحصول عند تلف النباتات. فكل محصول تخسره يعني جزءاً من الدخل الذي تعتمد عليه الأسرة. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وغياب مصدر دخل مستدام، تصبح الخسائر الناجمة عن تغير المناخ عبئاً إضافياً تتحمله الأسرة.كما أن شح المياه وصعوبة نقلها، وارتفاع تكلفة المستلزمات الزراعية، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، تحد من قدرة أنهار على التكيف مع التغيرات المناخية. ومع ذلك، لا تحصل أنهار على تعويض عندما تتضرر محاصيلها بسبب الظروف المناخية. تقول: "لا يوجد تعويضات أو مساعدات يمكن تقديمها للتعويض عن تلف المحصول والمزروعات بسبب ارتفاع درجات الحرارة."
هنا تتجلى إحدى صور عدم المساواة المناخية؛ فالمزارعات اللواتي يملكن موارد محدودة لمواجهة آثار تغير المناخ يتحملن الخسائر بأنفسهن، رغم أن قدرتهن على التكيف محدودة أصلاً بسبب القيود المفروضة على الأرض والمياه والحركة والوصول إلى الأسواق.
تزداد هذه التحديات بالنسبة لأنهار كامرأة تتحمل مسؤوليات أسرتها في ظل غياب زوجها وعدم وجود مصدر دخل مستدام للعائلة. فالمسافة بين منزلها وأرضها، وغياب الطرق المعبدة والمواصلات العامة، وبعد المدارس والأسواق والمراكز الصحية، تجعل الاحتياجات اليومية رحلة شاقة.تقول: "علينا قطع مسافات كبيرة للوصول إلى المدارس والأسواق والمحلات التجارية والخدمات الصحية لي ولأطفالي، لأن المنطقة التي نعيش فيها لا تتوفر فيها مواصلات عامة."
هذه القيود لا تؤثر على عمل أنهار فقط، بل تمتد إلى حياتها الأسرية، وإلى قدرة أطفالها على الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية. ومع ذلك، اختارت أنهار أن تجعل من أرضها مساحة للاستقلال، لا مساحة للخوف أو العجز. قبل أن تبدأ أنهار مشروعها الزراعي، كانت تخوض رحلة أخرى لا تقل أهمية: استعادة ثقتها بنفسها. شاركت في التدريبات والأنشطة التي نظمتها آكشن إيد فلسطين، وكانت تلك المشاركة بداية لتغيير شخصي انعكس على حياتها وعملها. تقول: "كنت أحضر أنشطة منظمة من قبل مؤسسة آكشن إيد فلسطين، وتلقيت الكثير من التدريبات التي كان لها أثر في تقوية شخصيتي وبناء ثقتي بنفسي."
وجدت أنهار في الزراعة وسيلة لكسر الروتين وتحسين ظروفها النفسية، كما تقول: "بدأت المحاولة بزراعة الأرض كنوع من كسر الروتين وشحن طاقتي وتحسين ظروفي النفسية."ومع مرور الوقت، أصبحت الأرض جزءاً من رحلة أوسع نحو الاستقلال. تقول: "كانت شخصيتي في الماضي ضعيفة، لكن بدأت شخصيتي بالتغير شيئاً فشيئاً مع الدورات والتدريبات التي تلقيتها من مؤسسة آكشن إيد-فلسطين. وفر لي هذا المشروع نوعاً من الاكتفاء الذاتي والأمن الغذائي لأولادي وعائلتي."
بالنسبة لأنهار، لا يقتصر المشروع الزراعي على تحقيق دخل بسيط. فهو يوفر جزءاً من غذاء الأسرة، ويساعدها على تخفيف تكاليف المعيشة، ويمنحها شعوراً بالاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار.تقول: "الوضع الاقتصادي في الخليل صعب ولا يوجد شغل دائم لزوجي، وهذا المشروع يساعدنا على تحسين ظروفنا الاقتصادية."وهكذا أصبحت الأرض، التي كانت تحتاج إلى جهد كبير للوصول إليها، مورداً يساعد الأسرة على الصمود.
لكن هذا الصمود ليس سهلاً.فأنهار لا تواجه فقط تقلبات السوق والظروف الاقتصادية؛ بل تواجه أيضاً آثار تغير المناخ، في وقت تجعل فيه القيود المفروضة عليها وعلى مجتمعها الوصول إلى الموارد اللازمة للتكيف أكثر صعوبة.بالنسبة لأنهار، الاستمرار في الزراعة هو شكل من أشكال الصمود. هي تدرك أن الظروف المحيطة بها لم تتغير، وأن تغير المناخ سيواصل فرض تحديات جديدة على المزارعين، لكنها تؤمن بأن امتلاك المعرفة والمهارات والفرصة يمكن أن يمنح النساء قدرة أكبر على مواجهة هذه التحديات.
توجه أنهار رسالة إلى النساء اللواتي يعشن في ظروف مشابهة: "رسالتي للنساء بعدم الاستسلام للواقع أو الصعوبات، بل على النساء تطوير أنفسهن وقدراتهن وتقوية شخصياتهن وأخذ التدريبات والدورات اللازمة، لما له من فائدة لها وللمجتمع."
قصة أنهار ليست فقط قصة امرأة تزرع الخيار أو البندورة أو الزيتون. إنها قصة امرأة تحاول أن تحمي مصدر رزق أسرتها في بيئة تتقاطع فيها أزمة المناخ مع الفقر والقيود المفروضة على الأرض والمياه والحركة. إنها قصة عن العدالة المناخية أيضاً؛ لأن آثار تغير المناخ لا تقع على الجميع بالتساوي. فالمزارعات الفلسطينيات مثل أنهار يواجهن الحرارة والجفاف وشح المياه وتقلبات الطقس، بينما يواجهن في الوقت نفسه قيوداً تحد من وصولهن إلى الموارد التي يحتجن إليها للتكيف.
في أرضها، لا تزرع أنهار المحاصيل فقط؛ إنها تزرع استقلالها، وتحمي مصدر غذاء أسرتها، وتبني قدرتها على الصمود. وبينما تتغير الأرض بفعل المناخ، وتزداد صعوبة الوصول إليها بفعل الاحتلال، تتمسك أنهار بها أكثر. لأن الأرض بالنسبة لها ليست مجرد مصدر رزق.إنها مصدر قوة وكرامة، ومساحة للتمكين، وطريق نحو مستقبل تستطيع فيه هي وأسرتها الصمود.
نبذة عن مؤسسة آكشن إيد الدولية
مؤسسة آكشن إيد الدولية هي اتحاد عالمي يعمل مع ما يزيد على 41 مليون شخص يعيشون في أكثر من 72 دولة من الدول الأكثر فقرًا. نسعى لرؤية عالم يتسم بالعدالة والاستدامة، حيث يتمتع كل فرد بالحق في الحياة الكريمة والحرية، وعالم خالٍ من الفقر والاضطهاد. نعمل لتحقيق العدالة الاجتماعية ومساواة النوع الاجتماعي واستئصال الفقر.
باشرت مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عملها في فلسطين في عام 2007 لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني إيمانًا في حقه بالتمتع بالحرية والعدالة وحق تقرير المصير. تنفذ مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عدة برامج من خلال انخراطها مع المجتمع الفلسطيني والمجموعات الشبابية والنساء، حيث تسعى إلى تمكين النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم المدنية والسياسية الفاعلة لفهم حقوقهم والاضطلاع بالنشاط الجماعي للتعامل مع انتهاكات الحقوق الناجمة عن الاحتلال طويل الأمد، إضافة إلى تحسين قدرتهم القيادية وممارسة مواطنتهم في مساءلة السلطات والجهات المسؤولة الأخرى.
لمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال بـ:
رهام جعفري
مسؤولة التواصل والمناصرة في مؤسسة آكشن إيد - فلسطين
البريد الإلكتروني: Riham.Jafari@actionaid.org