Skip to main content

الحمل الولادة والرضاعة في زمن الحرب: كيف تكافح الأمهات في غزة من أجل بقاء أطفالهن

رنين حاتم الفرا

قطاع غزة – الأرض الفلسطينية المحتلة لم تكن رنين حاتم الفرا تتخيل أن رحلة الأمومة ستبدأ بالفقدان. ففي الوقت الذي كانت تستعد فيه لاستقبال طفلتها الأولى، كانت الحرب على قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023 قد انتزعت منها منزلها، وحرمتها من ابنها، وتركت زوجها يصارع المرض دون أن يتمكن من الحصول على العلاج. وبين النزوح المتكرر، والجوع، وانهيار النظام الصحي، أصبحت الأيام تتشابه، ولم يعد للحمل ذلك الشعور الذي تنتظره النساء عادةً بشوق وفرح، بل تحول إلى رحلة يومية من الخوف والنجاة.

تقول رنين: عانيت كثيراً خلال هذه الحرب... كل شيء تغيّر." كانت رنين حاملاً عندما اشتدت الحرب على غزة. ومع الحصار، وانعدام الغذاء، وغياب الرعاية الصحية، بدأت تعاني من سوء التغذية وفقر الدم ومضاعفات صحية متكررة. لم تعد الفيتامينات أو الغذاء المتوازن أو حتى الفحوصات الطبية الدورية أموراً متاحة، بينما أصبح الوصول إلى المراكز الصحية يتطلب قطع مسافات طويلة وسط الطرق المدمرة وانعدام وسائل النقل.

تتساءل الأمهات في قطاع غزة كل يوم: " هل سننجو معاً؟ لم تكن تخشى رنين على نفسها بقدر ما كانت تخشى على الطفلة التي تنمو في رحمها. وبعد عشرة أيام من المخاض، جاءت لحظة الولادة في ظروف لم تكن تتخيلها أي أم. لم تكن هناك سيارة إسعاف. وعندما طلبت المساعدة، كان الرد أن سيارات الإسعاف مخصصة للمصابين فقط. تروي رنين تلك اللحظات قائلة: "اضطررت إلى الذهاب إلى المستشفى على عربة تجرها دابة وأنا في حالة مخاض."

في غزة، لم تعد الولادة مجرد بداية لحياة جديدة، بل أصبحت معركة أخرى تخوضها النساء في قلب أزمة إنسانية متفاقمة. لكن معاناة رنين لم تنته بولادة طفلتها. فقد بدأت رحلة جديدة عنوانها البحث عن أبسط احتياجات الأم والرضيع. إن الحصول على الطعام تحدياً يومياً. كانت رنين تتحمل الجوع والعطش حتى تتمكن من إرضاع طفلتها.

تتفن النساء في غزة في استعمال وسائل تقنين الغذاء والماء والأشياء الأساسية لإطالة أمد استعمال. تتحدث رنين عن تجربتها

"إذا توفر لدينا كيلو واحد من الطحين، كنا نعجنه ونقسمه إلى أرغفة صغيرة تكفي الأطفال طوال اليوم. أما طفلتي فكانت تعتمد على الرضاعة الطبيعية فقط، بينما لم يكن هناك طعام لي."الحفاضات أصبحت سلعة نادرة وباهظة الثمن، اضطرت رنين إلى ابتكار حلول مؤلمة حتى تحافظ على نظافة طفلتها تروي رنين تجربتها في استعمال الحفاضات: "إذا استطعت شراء حفاضات، كنت أضع بداخلها فوطاً صحية حتى تدوم فترة أطول. وإذا لم أجد حفاضات، كنت أستخدم أكياساً بلاستيكية مع بعض قطع القماش."

أما ملابس الأطفال، فلم تعد تُشترى، بل تُتداول بين الأمهات في مخيمات النزوح. كل قطعة ملابس تحمل قصة طفل آخر. تقول رنين: "عندما كانت إحدى النساء تلد، كنا نجمع لها حقيبة صغيرة من ملابس الأطفال. وعندما يكبر طفلها، تعطيها لأم أخرى. لكن عندما تلد أكثر من امرأة في الوقت نفسه، لم تكن الملابس تكفي الجميع."

داخل الخيمة التي تعيش فيها اليوم، لا تزال الحياة قاسية. فالخيمة التي صمدت لعامين أمام المطر والرياح والشمس والرطوبة، أصبحت ممزقة، ولم تعد توفر الحماية لعائلة صغيرة تحاول أن تبدأ حياة جديدة. تصف رنين واقعها بمرارة": عندما تمطر، يبتل كل شيء. الخيام ممزقة، وملابسنا بالية، ولا نملك إلا عدداً قليلاً من البطانيات."

رغم الحديث عن وقف إطلاق النار، لم يتغير الكثير بالنسبة للأمهات في غزة. فالمياه النظيفة ما زالت شحيحة، والغذاء غير متوفر، والأدوية تكاد تكون معدومة. تقول رنين: " لم يتغير شيء. الناس يقولون إن كل شيء أصبح متوفراً، لكن الحقيقة أن المياه غير متوفرة، والغذاء غير متوفر، والدواء غير متوفر."

لا يغادر رنين القلق والتوتر النفسي. الخوف الذي يجعل النوم مستحيلاً. كل ليلة، تستيقظ مرات عديدة لتتأكد أن طفلتها لا تزال تتنفس. تقول رنين بصوت يختصر وجع آلاف الأمهات: "أبقى مستيقظة طوال الليل أتفقدها، لأن الكثير من الأطفال ماتوا بسبب البرد."

في خضم هذه الظروف، تحاول المؤسسات النسوية المحلية أن تبقي نافذة صغيرة مفتوحة للأمل. من خلال جمعية الوفاق لرعاية المرأة والطفل، الشريك المحلي لمؤسسة آكشن إيد فلسطين، تلقت رنين دعماً طارئاً شمل فرشة للنوم، إلى جانب جلسات للدعم النفسي والاجتماعي ساعدتها على التعامل مع الصدمة والحزن. تقول رنين: " كان الدعم النفسي أهم من أي مساعدة أخرى. لقد ساعدني على الاستمرار." وفي سياق دمرت فيه الحرب المنازل، وسبل العيش، والمرافق الصحية، لم يعد الدعم النفسي رفاهية، بل أصبح ضرورة لحماية النساء وأطفالهن ومساعدتهن على مواصلة الحياة.

اليوم، لا تطلب رنين الكثيرأو المستحيل: " كل ما تتمناه هو أن تكبر طفلتها في مكان آمن. أن تجد ماءً نظيفاً، وطعاماً يكفيها، وملابس تحميها من البرد، ورعاية صحية عندما تمرض. وقبل كل شيء، تتمنى أن تتوقف الحرب. تتحدث رنين: " نتمنى أن يجد أطفالنا ماءً نظيفاً، وملابس نظيفة، وطعاماً نظيفاً. وأكثر ما نتمناه هو أن تنتهي الحرب."

ليست قصة رنين استثناءً، بل هي صورة تعكس واقع آلاف الأمهات في قطاع غزة، اللواتي يخضن تجربة الحمل والولادة والرضاعة والأمومة وسط النزوح، والجوع، وانهيار الخدمات الصحية، واستمرار الأزمة الإنسانية.

وراء كل رقم يُنشر عن الضحايا أو النازحين، توجد أم مثل رنين، تقضي لياليها ساهرة خوفاً على طفلها، وتحاول كل صباح أن تمنح أبناءها سبباً جديداً للتشبث بالحياة. في غزة اليوم، أصبحت الأمومة شكلاً من أشكال الصمود، وأصبحت كل ولادة إعلاناً عن إرادة الحياة، رغم كل ما يحيط بها من موت وحرمان.

 

نبذة عن مؤسسة آكشن إيد الدولية  

مؤسسة آكشن إيد الدولية هي اتحاد عالمي يعمل مع ما يزيد على 41 مليون شخص يعيشون في أكثر من 72 دولة من الدول الأكثر فقرًا. نسعى لرؤية عالم يتسم بالعدالة والاستدامة، حيث يتمتع كل فرد بالحق في الحياة الكريمة والحرية، وعالم خالٍ من الفقر والاضطهاد. نعمل لتحقيق العدالة الاجتماعية ومساواة النوع الاجتماعي واستئصال الفقر.  

باشرت مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عملها في فلسطين في عام 2007 لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني إيمانًا في حقه بالتمتع بالحرية والعدالة وحق تقرير المصير. تنفذ مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عدة برامج من خلال انخراطها مع المجتمع الفلسطيني والمجموعات الشبابية والنساء، حيث تسعى إلى تمكين النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم المدنية والسياسية الفاعلة لفهم حقوقهم والاضطلاع بالنشاط الجماعي للتعامل مع انتهاكات الحقوق الناجمة عن الاحتلال طويل الأمد، إضافة إلى تحسين قدرتهم القيادية وممارسة مواطنتهم في مساءلة السلطات والجهات المسؤولة الأخرى.  

لمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال بـ:  

رهام جعفري   

مسؤولة التواصل والمناصرة في مؤسسة آكشن إيد - فلسطين   

البريد الإلكترونيRiham.Jafari@actionaid.org