من ريادة الأعمال إلى معركة البقاء: واقع النساء الرياديات في غزة
الأرض الفلسطينية المحتلة -قطاع غزة - قبل الحرب، كانت تغريد أبو عرب نموذجًا للمرأة الفلسطينية الريادية التي صنعت مستقبلها بجهدها وإصرارها. كانت تغريد تدير روضتي "دنيا المرح" و**"بكرة أحلى"**، وامتلكت محل لتأجير ملابس الأطفال للمناسبات، إلى جانب محل صغير للبوظة. لم تكن هذه المشاريع مجرد مصدر دخل، بل كانت مساحة تمنح الأطفال الفرح، وتوفر لعائلتها الاستقرار، وتجسد حلمًا بنته على مدار سنوات.
حطمت الحرب أحلام تغريد ودمرت مشاريعها المدرة للدخل.مع تصاعد العدوان على غزة، فقدت تغريد مشاريعها ومصدر رزقها، واضطرت للنزوح مع عائلتها مرات متكررة، لتتحول حياتها من إدارة مشاريعها الصغيرة إلى البحث اليومي عن الماء والغذاء ومكان أكثر أمانًا لأطفالها.
تقول تغريد: " نزحنا على خان يونس، ومن خان يونس واجهنا صعوبات كثيرة، تحملنا كل ضغوطات الحياة وكل عبء الحياة... كانت الحياة صعبة جدًا. النزوح المتكرر، والخوف على حياتنا، وعلى مستقبل أطفالنا، وعلى تدهور صحتهم النفسية . رغم الجراح وفقدان الأهل ، لكن كان لدينا ذرة أمل تدفعني للإستمرار في هذه الحياة."
تُجسد تجربة تغريد واقع آلاف النساء الرياديات في غزة اللواتي لم يفقدن أعمالهن فقط، بل فقدن سنوات من الاستثمار، والاستقلال الاقتصادي، والقدرة على إعالة أسرهن. بالنسبة لهن، لم يكن المشروع مجرد وظيفة، بل كان وسيلة للحياة والكرامة.
تصف تغريد شعورها بعد خسارة كل ما بنته بيديها: " تأثرت لما فقدت مشروعي وفقدت وظيفتي... تأثرت اقتصاديًا ونفسيًا، يعني فقداني لعملي يشبه فقاني لحياتي. لكن لا أريد لحالة الاحباط وفقدان الأمل السيطرة على حياتي ، لا بد من زراعة الأمل للتغلب الصعوبات التي نواجهها."
لم تكن خسارة العمل تعني فقط فقدان الدخل فقط، بل فقط فقدان جزء من الهوية، والشعور بالإستقلال ، والإحساس بأن المستقبل أصبح مجهولا. هذه الآثار هي جزء من الواقع الذي خلقته الحرب للنساء في قطاع غزة فخسارة المشاريع تعني فقدان الدخل، وتراجع القدرة على تلبية احتياجات الأسرة، وتزايد الضغوط النفسية والاجتماعية، في وقت تتحمل فيه النساء مسؤوليات أكبر داخل الأسر النازحة.
ورغم كل ذلك، ترفض تغريد الإستسلام لهذا الواقع الأليم وتحاول التسلح بالأمل والإصرار على البقاء تقول: تغريد : " عندما يفقد الإنسان أهله ويفقد ماله ويفقد وظيفته... عندها تنتهي الحياة. لكن إصراري على البقاء هو اللي أعطاني الدعم والحافز لمواصلة الحياة والتحدي".
وسط هذه الظروف، وجدت تغريد مساحة تستعيد فيها بعضا من قوتها من خلال الدعم النفسي والتمكين الإقتصادي الذي تلقته من جمعية وفاق لرعاية المرأة والطفل ،حيث ساعد هذا الدعم تغريد على استعادة جزء من قوتها وإيمانها بقدرتها على البدء من جديد. تتحدث : لقد تلقيت الدعم النفسي من جمعية وفاق مما حفزني، على الإستمرار في عملي أو أي عمل آخر أستطيع المضي فيه".
على الرغم من التوصل الى وقف إطلاق النارفي غزة في شهر تشرين الأول لعام 2025 ، إلا النساء في يواجهن ظروفا صعبة وكفاح مستمر في سبيل البقاء بسبب الإنتهاكات المستمرة لبنود إتفاقية وقف إطلاق النار. إن الحديث عن وقف إطلاق النار بالنسبة لتغريد يحمل لها شعور
لا يزال الوصول الى التعافي بعيد المنال. فالنساء في غزة يواجهن اليوم واقعًا تتداخل فيه الأزمات الإنسانية مع الانهيار الاقتصادي، حيث أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية تحديًا يوميًا.توضح تغريد: " التحديات كانت كثيرة جدًا... قلة الماء والغذاء، وقلة الإمكانيات الاقتصادية، وقلة المساعدات. هذه الظروف إزدادت سوءًا وكان لها تأثيرا علي وعلى عائلتي، دمرت نفسيتنا ودمرت حياتنا، لكن دائما هنالك تحدي بالبدء من جديد للإستمرار في الحياة".
لا يقلق تغريد فقط فقدان رزقها أو دخلها ما يقلقها الخزف على مستقبل اطفالها وأطفال غزة الذين دفعوا طفولتهم الثمن الأكبر لهذه الحرب . تقول تغريد : "أطفالنا هم اللي تدمروا... فقدنا التعليم، تدخل الحرب عامها الثالث وأطفالنا بكبرون بدون تعليم. فقدنا الأمان، فقدنا كل احتياجات الحياة الأساسية."
ورغم هذه التحديات، تحاول كثير من النساء إعادة بناء أعمالهن بوسائل محدودة، والبحث عن فرص بديلة تضمن لهن ولأسرهن الحد الأدنى من الدخل والكرامة. لا تزال تغريد تتمسك بالأمل في مستقبل أفضل ليس باعتباره شعورًا عابرًا، بل كوسيلة للبقاء والصمود والاستمرار. تقول تغريد : " دائمًا أضع الأمل أمامي... ذرة الأمل تدفعنا للسعي والاستمرار إلى الأمام."
إن قصة تغريد ليست حالة فردية، بل تعكس واقع آلاف النساء الرياديات في قطاع غزة اللواتي دمرت الحرب مشاريعهن وحرمت أسرهن من مصادر دخلها. ومع ذلك، ما زلن يسعين إلى إعادة بناء حياتهن وسط ظروف إنسانية غير مسبوقة.إن دعم النساء في غزة هو استثمار في صمود الأسر، وتعافي المجتمعات، وحماية حق النساء في العمل والكرامة والمشاركة في إعادة بناء مستقبل غزة. وتؤكد تجربة تغريد أن النساء لا يحتجن إلى الشفقة، بل إلى فرص حقيقية لاستعادة أعمالهن، والوصول إلى التمويل، والحماية، والدعم النفسي والاجتماعي، حتى يتمكنّ من تحويل الأمل إلى بداية جديدة.
نبذة عن مؤسسة آكشن إيد الدولية
مؤسسة آكشن إيد الدولية هي اتحاد عالمي يعمل مع ما يزيد على 41 مليون شخص يعيشون في أكثر من 72 دولة من الدول الأكثر فقرًا. نسعى لرؤية عالم يتسم بالعدالة والاستدامة، حيث يتمتع كل فرد بالحق في الحياة الكريمة والحرية، وعالم خالٍ من الفقر والاضطهاد. نعمل لتحقيق العدالة الاجتماعية ومساواة النوع الاجتماعي واستئصال الفقر.
باشرت مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عملها في فلسطين في عام 2007 لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني إيمانًا في حقه بالتمتع بالحرية والعدالة وحق تقرير المصير. تنفذ مؤسسة آكشن إيد-فلسطين عدة برامج من خلال انخراطها مع المجتمع الفلسطيني والمجموعات الشبابية والنساء، حيث تسعى إلى تمكين النساء والشباب وتعزيز مشاركتهم المدنية والسياسية الفاعلة لفهم حقوقهم والاضطلاع بالنشاط الجماعي للتعامل مع انتهاكات الحقوق الناجمة عن الاحتلال طويل الأمد، إضافة إلى تحسين قدرتهم القيادية وممارسة مواطنتهم في مساءلة السلطات والجهات المسؤولة الأخرى.
لمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال بـ:
رهام جعفري
مسؤولة التواصل والمناصرة في مؤسسة آكشن إيد - فلسطين
البريد الإلكتروني: Riham.Jafari@actionaid.org